backgrounds | Free Pics

الخميس، 23 فبراير، 2012

الدوبلير (9)



-9-

     في الليلة السابقة ليوم الاحتفال بخطبته، وبعد أن أنهى مكالمته مع سلمى؛ يتمدد عمر على سريره، يبتسم وهو يفكر، ثم يخرج إلى البلكونة ليقف قليلاً في الهواء.. يرى السيارات تتحرك أمامه، يعود ليتذكر ما مر به في السنوات الماضية، لقد كانت له عدة علاقات لم يُكتب لها أن تكتمل، بعضها انتهت برغبته، وانتهت غيرها برغبة ليس له بها دخل ، مرت كسراب ماء رآه عطشان في صحراء، لم يرو عطشه، بعد أن  تبعه وسار على هدية فلم يجده شيئاً.. شعر بأن ما سيحدث غداً قد أصبح واقعاً؛ كما تجري العادة، نهاية طبيعية لشاب عازب، وبداية طبيعية لمرحلة تكوين أسرة يتقلد فيها منصب الأب، ويعيد الكرة ثانية، فيقوم الأبناء بنفس الدور، وهكذا تستمر دورة الحياة، لكن.. ما هذا الملل؟ ماذا بعد ذلك؟ أهي بداية لحياة مستقرة؟ أم نهاية لحياة منتعشة؟ أهي النهاية حقاً؟ زواج، فأبناء، فتربية الأبناء، فمسئولية.. ثم تمر السنون.. ثم يذهب ربيع العمر، ولا يبقى من خريفه إلا القليل، إلى أن تهطل الأمطار التي تأخذ ما تبقى من العمر وتروي به بذوراً جديدة تنهض لتقوم بنفس الدور؛ ما هذه الكلمات؟ ليس هذا ما فكرت به، تلك إذا كرة خاسرة، ماذا ينقصني الآن؟ لا شيء، أريد حياة سعيدة.. لم لا؟ ما هي السعادة؟ أجابته (حنين): هي السعادة.. حقاً إنها السعادة، تمضي الأيام وتبقى المشاعر التي تملأ حياتنا، لن تكون سعادة إن كانت كهذا المنزل، قوالب مبنية طبقاً لمقاييس ومعايير وحسابات، المشاعر ليست هكذا يا عزيزي.. المشاعر هي الإحساس الذي ينبع من داخلك، ويتأثر بما في داخل الآخرين، هي اللغة الصامتة التي تحركنا من تلقاء أنفسنا، تحب هذا، تبتعد عن ذاك، هي القوى الجاذبة التي تنبع من داخل أعماقنا التي لم نقرر أو نقيس أو نحسب مدى إمكانية توجيهها يميناً أو يساراً، ليست سوى تفاعلات لا تختلف عن ذرتين من الهيدروجين مضافاً إليهما ذرة أكسجين فيتكون الماء من تلقاء نفسه، لم يُكون نفسه، بل تكون من التفاعل، هكذا هي السعادة سيدي.. "هزمتني طالبة العلوم" هكذا تمتم بكلمات ثم ابتسم، تذكر (حنين) التي كانت تدرس بكلية العلوم، لكنها ذهبت منذ زمن ولم تعد، رحلت بعد أن تخلى عنها، لم يفرح برحيلها، ولم تفرح أيضاً.

                  ………………………………

     ذهب هاني لإبراهيم، لقد علم هاني ما آلت إليه الأمور، ذهب ليؤكد لصديقه أن ما مضى مضى، ليفكر في ما هو قادم، ذهبت سلمى، تمت الخطبة، ماذا عساه أن يفعل؟ هي من قررت، ولا شيء لديه ليقدمه، فقد قدمت خطواتها، وعليه أن يتأخر، لا مكان لخطواته الآن.. كان إبراهيم حزيناً، تلاقت المشكلات لتبدو الدنيا وكأنها تلقي بستار أسود على مسرح الحياة معلنة عن فصل آخر من الحزن المطلي بدموع لم تكن لتنتهي، هكذا عودته الأيام في الآونة الأخيرة، لم تكن لتقدم ما يدعوه لرفع سخطه وغضبه عنها، كلا؛ بل تمادت، وأغلقت عينيها، وصمت أذنيها، وتركته يصرخ من مكانه المعزول، لا أحد يسمعه، ولا راد لنكباته التي لم تقرر الرحيل، فظلت بجواره لتلازمه في وحدته.. "ما المشكلة الآن؟" هكذا تحدث هاني، واستمر في خطابه الحماسي، ما المشكلة حقاً، ذهب عمل لا فائدة منه سوى المزيد من التعب، وسيأتي الأفضل، وذهبت فتاة لم تكن لتستمر طويلاً بجوارك.. "لم تذهب" هكذا رد إبراهيم مسرعاً.. " بل ذهبت.. تمت خطبتها اليوم" هكذا تحدث هاني بهدوء حذر، "ماذا تقول بربك؟ هل جننت؟" رد إبراهيم بعصبية ووقف منزعجاً.. " إنه ما حدث"  وأكمل هاني: "أعتذر إن كانت أزعجتك كلماتي، لكنني أردت أن أنقل إليك خبراً علمت به، عليك أن تبدأ حياة جديدة وتحسن اختيارك هذه المرة، لديك الوقت لتتعلم مما مضى".

                   ………………………………

     لم تكن سلمى أفضل حالاً من إبراهيم، تساءلت: "ما الذي يدعوها لتقبل هذا الوضع؟" تخرج مع عمر، وكأنها لم تخرج، لم تشعر بالسعادة، بل لم تشعر سوى بالألم والأسى، تتحدث معه، يأتي لزيارتها، تزوره بصحبة أمها، إلى أين تسير الأحداث، لعلها تتوقف عن المضي طالما تخطىء السير.. ماذا سيتغير بعد زواجها؟ سيبقى الوضع كما هو عليه.. زيارات متبادلة ما بين خالتها وأمها ثم عودة واستقرار في بيتها بصحبة حبيبها عمر.. لم يكن حبيبها، لنقل رفيقها.. لم يكن رفيقها، لنقل صاحبها.. حقيقة هو لم يصاحبها؛ هو المقيم معها بعقد مدته مدى الحياة ما لم يجد جديد، لكن ما الجديد؟ وإن جد جديد فلن تختلف الأوضاع كثيراً، ستبقى وحيدة منبوذة في مجتمع لم يسمح لها بأن تختار شكل حياتها، ولن يدعها تحيا إن قررت التمرد في لحظة شيطانية.. تستقبل مكالمة من عمر، يطمئن عليها، تتحدث معه ببرود، لم تطمئن عليه، بل لم تجد أصلاً موضوعاً مناسباً للحديث معه، كلمات تتساقط كقطرات المياه الزائدة في صنبور به علة.. حتى كلمات الغزل، ولمسات الحب لم تشفع له، ولم تغير من الوضع الباهت الذي كانت عليه كعصر يوم عاصف تعلو شمسه سماء تسدل ستائرها الصفراء جراء ما يملأها من أتربة معلقة بلا خيوط، فقط يحملها هواء يسعى لأن يكدر صفو من خرج لتنسمه، يدعوه للعودة لداره؛ تستأذنه لتذهب للنوم.. يأذن لها، ويودعها؛ يذهب لمشاهدة التليفزيون، تضع رأسها على وسادتها، لم تستطع النوم، راحت تأتيها الأفكار المتتابعة إلى أن راحت في سباتها بعد طول السهر، وصحبتها أفكارها في سباتها...

                  ………………………………

     ذهب إبراهيم بصحبة هاني لزيارة صديقهم تامر، ثم جاءت بقية الشلة، حيث أتى حسين ورامي، بدا على إبراهيم بعض الحزن، فبدأ أصدقائه في الحديث عن بعض الذكريات القديمة بغية أن ينسى همومة قليلاً، وأخذوا يداعبونه، ابتسم قليلاً، لكنه لم ينس أحزانه، بل إنه بحديثهم عن الماضي تذكر من الذكريات ما زاده ألماً؛ انتقلوا للحديث عن المقهى التي كان يعمل بها إبراهيم وهاني، حكى هانى ما حدث في اليوم الأخير من عملهما في المقهى، وكيف أن الوضع تطور كثيراً، وتم تكسير المقهى.. تعجب تامر، وأخذ يتحدث عن أن هاني السبب، "نحس" هكذا تحدث رامي ليداعبه، وما كان من حسين إلا أن تحدث بشكل جدي عن أن ما حدث كان الأفضل، فنظر إليه إبراهيم منزعجاً، وقال: "ما أفضلية أن يتم تكسير المقهى؟ وما الأفضلية في أن نترك العمل بهذا الشكل؟ عقب حسين بهدوء: "لعل عملكما في مكان آخر سيكون أفضل، ثم إن هذا العمل لا يليق بكما، ستجدان ما هو أفضل" غضب إبراهيم، لقد شعر بأن حسين يتحدث ببرود، ثم إنه لديه عمله، ويده في مياه باردة، أما إبراهيم وصديقه فإن يداهما في نار موقدة لا تنطفىء، تدخل تامر معاتباً حسين، ثم تحدث عن وجهة نظر حسين الذي يرى أنهما يجب أن يعملا في مكان أفضل، فتحدث رامي ليؤكد ذلك محركاً رأسه بالموافقة.. ثم عرض حسين عليهما أن يعملا معه، فأيده تامر، كما وافقه الرأي رامي، ليذهبا للعمل سوياً، فرامي وحسين وتامر يعملون مع الأستاذ رمزي، حيث يزج بهم في أية مشاهد تتطلب غياب أحد الممثلين المهمين.. "دوبلير؟" هكذا تحدث إبراهيم متسائلاً.. رد تامر: تقريبا.. وبعد الشرح والتوضيح، أعلن هاني رفضه لهذا العمل.. لكن إبراهيم قرر خوض المغامرة، بالفعل هي مغامرة، لم يكن ليفكر في خطوة كتلك بالأمس، لكنه اليوم يُقدم عليها، ويصم أذنيه عن كلمات هاني التحذيرية، بل يقرر الذهاب مع تامر ورامي وحسين لمقابلة الأستاذ رمزي.

                  ………………………………
                                 إلى اللقاء في الحلقة القادمة